الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

صرخة أمل

أزقة ضيقة لا تكاد تكفي لمرور شخصين وبيوت طينية آيلة للسقوط في أي لحظة وأطفال بملابس رثة وممزقة منتشرون في الزقاق يلعبون بالطين وقد لوث أيديهم ووجوههم بين كل هذه المظاهر التي يجزم من يراها أنها لم تمتد لها يد العمران ولم تلوثها حضارة المدنية وفي أطراف هذه القرية بيت ربما يكون كلمة منزل كثير في حقه ففيه غرفتين صغيرة جداً وحمام (كُرمتم) بباب مكسور وجدران متصدعة ومطبخ صغير بأواني قليلة جداً ولكن من يدخله يرى أثر النظافة والحميمية بين سكان هذا المنزل ....
صرخة ألم تلتها أخرى وأخرى ثم سكووووووووووون وبعدها صرخة ولكنها من نوع آخر إنها ((صرخة أمل)) فكأنما أُنير المنزل بعد الظلام وتهللت الوجوه بابتسامة مشرقة حفرت مسارها على الوجوه ..
......: ألف مبروك جات لك بنت مثل القمر .
......: الله يبارك فيك يام محمد و تستاهلين البشارة .
أم محمد : ما تقصر يابو خليل وخيرك سابق أنا بروح أشوف ساره يمكن محتاجه شيء وبروح بيتي.
إبراهيم : مشكورة يام محمد وما تقصرين وسلمي على أبو محمد .
ذهبت أم محمد لترى ساره وبعد أن اطمأنت عليها غادرت إلى منزلها ..
*************
في داخل الغرفة الصغيرة ذات الفراشين الباليين كانت ساره مستلقية وفي حضنها إبنتها ومازال جبينها مخضب بالعرق وملامح التعب مرسومة على وجهها الجميل دلف إليها زوجها ..
إبراهيم : السلام عليكم .. أخبارك
ساره بتعب :عليكم السلام , الحمد لله .
أقبل إليها وقبل جبينها ونظر إلى إبنته الجميلة ورفعها ولثم يديها بحنان أبوي مصفى.
إبراهيم : ما شاء الله تبارك الرحمن تشبهك يا ساره,الله يجعلها من مواليد السعادة .
ساره ابتسمت بوهن: آمين يارب , بس ترها مثل عيونك مره أما الباقي طلعت علي .
جلس إبراهيم على الفراش الآخر ووضع طفلته في حضنه وأخذ يتأمل وسرح في ملامح وجهها وبعد مده رفع رأسه ووجد زوجته تتأملهما وعيناها تشع حناناً ومحبة إبتسم لها بمحبة صادقة ..
إبراهيم : حبيبتي إيش نسمي الحلوه هذي.
ساره : ما أدري أنت اختار وأنا معك .
إبراهيم : والله أنا من يوم سمعت صوتها حسيت بالأمل والفرحة عشان كذا نسميها
((أمل)) .
ساره : حلو اسم أمل خلاص نتوكل على الله .
إبراهيم : أجل بكره نروح مستوصف القرية الثانية يطعمونها وبعد بكره أروح جدة أسجلها في الأحوال (تسجيل مؤقت لمدة سنة عندنا في السعودية).
ساره : إن شاء الله .
في هذا من المنزل الصغير بسطت الفرحة أجنحتها وأصبحت الوجوه مشرقة بالابتسامة ولكنــ
عند النافذة الصغيرة للغرفة يقف شخص ينظر لهم بعين الحسد الذي يتمنى زوال نعمة أخيه وهو يحيك الخطط في نفسه لتفريق هذه العائلة الصغيرة السعيدة ..
........: نشوف يا ساروه إذا ما محيت هذي الضحكة ..<<هل سيحقق كلامه
********************
اليوم الثاني ..
استقض إبراهيم وزوجته فجراً على بكاء الصغيرة وهما لم يناما إلا سويعات بسيطة من الليلة الماضية بسبب استمرار الطفلة بالبكاء فكان وجههما رغم الإرهاق البادي عليها إلا أنها رسمت عليها ابتسامة سعيدة فلم يتذمرا أو يشتكيا بل كانا سعيدين بها , إلا أن ساره تمنت للحظة لو أن أمها لم تمت أو يكون لديها أخوات حتى يساعدنها في الاهتمام بالصغيرة فهي وكذلك زوجها كانا وحيدين لدى أبويهما وجميعهم ماتوا ولكنه القدر ولا اعتراض عليه استغفرت ونهضت بتعب كي تحضر الفطور لزوجها عندما ذهب للمسجد إلا أن زوجها صادفها عند الباب ..
إبراهيم بإبتسامة: السلام عليكم ..أمولتي نامت .
إبتسمت ساره : عليكم السلام ..ألحين نامت وقمت أسوي لك فطور .
إبراهيم بإعتراض : لا لا , لا تسوين فطور إنتي تعبانه و أنا أصلا رايح أستأذن من العم علي وباستلف سيارة جيرانا وجاي و إذا على الفطور نفطر وإحنا رايحين للمستوصف على الماشي ..
ساره : طيب ولا قهــ ..
لم تكمل ساره كلامها إلا وسمعت صوت بكاء طفلتها وذهبت مسرعة لتراها , ابتسم إبراهيم على قلقها فهي كلما بكت الصغيرة خافت عليها .
إبراهيم : يلا حبيبتي أنا رايح تامرين بشي .
ساره : في أمان الله يا الغالي و ما نبي إلا سلامتك .
إبراهيم : مع السلامة .
ذهب إبراهيم إلى محل العم علي ودلف إلى الداخل ووجد العم علي ذو الوجه المجعد واللحية البيضاء على ثغره إبتسامة رضى وبيده السبحة سلم عليه إبراهيم وجلس ..
إبراهيم بإبتسامة سعيدة : كيف حالك عم علي .
العم علي : الحمد لله بخير وأنت أخبارك ياولدي أشوف الوجه منور اليوم يلا قول اللي عندك .
ضحك إبراهيم : هههههههـ الحمد لله , إي والله اليوم أحس الدنيا ماهي شايلتني من الفرحة أمس ولدت زوجتي وجابت بنت .
أبو علي وقد تهلل وأشرق وجهه بسعادة غامرة : مبروك يا ولدي والله يجعلها من مواليد السعادة .
إبراهيم : الله يبارك فيك , ترى أنا اليوم جاي أستأذن منك أروح بها المستوصف يطعمونها وبكره إنشاء الله أروح أسجلها .
العم علي : مرخوص يا ولدي الله يسهل دربك .
إبراهيم : مع السلامة يا عم .
العم علي : مع السلامة يا ولدي .
وعند عودته إلى المنزل التقى بجاره أبو خالد وطلب منه سيارته وأعطاه وأخبره أنه سيعيدها له في مساء الغد و استأذن منه وانصرف راجعاً إلى منزله فوجد ساره قد ارتدت عباءتها ولفت ابنتها جيداً وقابلت زوجها بابتسامتها الصافية ورد لها الابتسام ,, وسلم عليها وحمل ابنته وخرجا ذاهبين إلى مستوصف الحي الآخر وعند عودتهما توقف عند أحد المطاعم البسيطة وطلب لهما فطوراً متواضعاً وحملاه إلى المنزل و أفطرا وأستعد إبراهيم لصلاة الظهر أما سارة وابنتها فقد خلدا إلى النوم بعد الانتظار الطويل في المستوصف وكذلك بسبب السهر في الليلة الماضية ..
وكذلك فعل إبراهيم عندما عاد وألقى بجسده المنهك وغط في سبات عميق ..
*****************
بعد العِشاء..
طُرق باب المنزل ونهض إبراهيم لفتح الباب فوجد في وجهه امرأة لم يعرف هويتها وتنحى عن الباب ومرت بجانبه فألقت التحية عليه فعرفها فتوجس في نفسه مخافت أن تؤذي ساره فهي لم تفوت أدنى فرصة لأذيتها رغم القرابة بينهما إلا أنها لا تحبها فكانت دائما ما تشتكي سارة منها وكانت تنشر الإشاعات عنها وتؤذيها وذلك بسبب غيرتها منها فهي قد تزوجت عدة مرات ولم توفق بسبب سوء أخلاقها وعدم إنجابها قطع أفكاره صوتها
سلمى بنعومة مصطنعة : كيفك يا إبراهيم .
إبراهيم باشمئزاز يحاول عدم إظهاره : الحمد لله بخير تفضلي ساره داخل .
سلمى بنفسها "ومن قال إني أبي ساره آآه أنا أبيك أنت لكن إذا ما جبت راسك ما أكون سلمى " : مبروك ما جاك .
إبراهيم : الله يبارك فيك .
أدار لها ظهره متجهاً إلى خارج المنزل عندما سمع صوتها تأفف في نفسه من هذه المرأة التي لا تنفك من ملاحقته ,,
سلمى : إبراهيم وين رايح إرتاح ما بطول .
إبراهيم بضيق : لا بخلص شغلة وجاي .
وخرج رغم إحساسه بالضيق وبإنقباض في قلبه لا يعلم له سبب ..
********************
بعد عدة ساعات ..
عاد إبراهيم المنزل ووجد زوجته وابنته نيام قبل جبينيهما وتتمدد على فراشه وهو مازال يشعر بضيق في صدره استعاذ بالله من الشيطان وتمتم بأذكار النوم وتلاوة بعض الآيات حتى غلبه النوم .
بعد أقل من ساعتين قام إبراهيم مفزوعا من حلم مزعج وقد أندى جبين ما رآه وجلس فشرب قليلاً من الماء واستعاذ من بالله الشيطان ونفث عن شماله فهدأت نفسه قليلاً وتمدد على الفراش وأغمض عينيه فسمع أنيناً صادراً من جهة زوجته فتح عينيه والتفت جهتها ووجد وجهها أحمر وجبينها يقطر عرقاً فنهض فزعاً عليها ..
إبراهيم بقلق عميق : ساره ساره قومي
وأخذ يهزها حتى فتحت عينيها سندها على بعض الوسائد وجلب لها ماء وأسقاها وذهب قليلاً وعاد ومعه قطعة قماش صغيرة وإنا به ماء بارد وأخذ يضع الكمادات على رأسها تارة يغسل يديها و أخرى رجليها.
إبراهيم : ساره تسمعيني .
صدرت أنه خفيفة من ساره وهي مغمضة العينين .
ارتاح إبراهيم وأكمل كلامه : حبيتي تبني أوديك المستوصف .
هزت ساره رأسها رفضاً وحاول في إقناعها مراراً ولكنها رفضت رغم إلحاحه عليها وأخيراً أذعن لرغبتها .
وأكمل عمله في تغيير الكمادات وأستمر في ذلك حتى أُرهق ولكن حرارة سارة لم تنخفض إلا قليلاً ورفع يد ليرى الساعة من ساعته الجلدية المتواضعة وتفاجأ بأنها قد قاربت الرابعة والنصف أي أنه قد قارب وقت أذان الفجر وفي هذه الأثناء سمع صوت بكاء الطفلة وحملها وأخذ يهزها علها تنام فهو لا يملك ما يعطيها إياه وأمها محمومة لا تستطيع إرضاعها وإلا مرضت هي الأخرى فكأن الطفلة أحست بما تعانيه الأم .
بعد دقائق سمع الأذان أخذ يردد مع الإمام وهو يهز فتاته بين يديه حتى هدأت ونامت فوضعها بجانب أمها ..
إبراهيم : ساره صاحيه ..
ساره : هممممـ
إبراهيم : كيفك الحين أحسن
هزت ساره رأسها إيجابا ..
إبراهيم : أنا رايح الصلاة وجاي ..
وخرج وتوضأ ثم ذهب إلى الصلاة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق